تحديث قانوني
القوة القاهرة وأثرها في المسؤولية العقدية وسقوط التعويض في القانون الإماراتي
تعد القوة القاهرة من أهم القواعد القانونية التي تعالج ما يحدث عندما يقع حادث استثنائي يجعل تنفيذ العقد مستحيلا فإذا تحقق هذا الحادث وتوافرت شروطه، فإن المسؤولية تسقط ولا يلتزم المدين بالتعويض.
وقد نظم المشرع الإماراتي هذه القاعدة في المادة (273)، (472) من قانون المعاملات المدنية لعام 1985، كما تناولها القضاء في العديد من الأحكام لتحديد معناها وضوابط تطبيقها، وفيما يلي عرض مبسط لمفهوم القوة القاهرة وشروطها وأثرها القانوني.
أولا: تعريف القوة القاهرة:
يقصد بالقوة القاهرة الحدث الخارجي الاستثنائي الذي لا يمكن توقعه ولا يمكن دفعه ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً.
وقد أوضحت محكمة النقض في أبوظبي أن القوة القاهرة لا تعني مجرد أن تنفيذ العقد أصبح صعبا أو مكلفا، بل يجب أن يصل الأمر إلى استحالة التنفيذ استحالة كاملة. (انظر: الطعون أرقام: 699، 700، 713 لسنة 2023 تجاري- جلسة 14/9/2023)
فإذا كان تنفيذ العقد لا يزال ممكنا ولو مع بعض المشقة، فإن ذلك لا يعد قوة قاهرة، وإنما قد يندرج تحت نظرية الحوادث الطارئة.
ثانياً: أهم شروط القوة القاهرة
لا يكفي مجرد وقوع حادث حتى يعتبر قوة قاهرة، بل يشترط توافر عدة عناصر أساسية.
1- أن يكون الحادث غير متوقع وقت إبرام العقد، أي لم يكن في حسبان المتعاقدين عند الاتفاق فإذا كان الحادث معتادا أو يمكن توقعه فلا يعد قوة قاهرة.
وقد قضت المحاكم بأن بعض الظواهر الطبيعية مثل الأمطار أو الرياح المعتادة لا تعد قوة قاهرة إذا كانت طبيعية ومتوقعة.
2- أن يكون الحادث غير ممكن الدفع أي أن الحادث لا يمكن تفاديه أو منع آثاره حتى مع بذل جهد معقول فإذا كان من الممكن تجنب الضرر أو تقليل آثاره، فلا تتحقق القوة القاهرة.
3- أن يكون الحادث خارجا عن إرادة المتعاقدين يجب أن يكون سبب الحادث خارجا عن إرادة الطرفين، فلا يكون المدين قد تسبب فيه أو ساهم في حدوثه.
4- ألا يكون المدين متراخيا في تنفيذ التزامه أي يشترط أيضا أن لا يكون المدين قد تأخر في تنفيذ التزامه بخطئه قبل وقوع الحادث.
-فإذا كان المدين متأخرا بالفعل في التنفيذ، ثم وقع الحادث، فلا يستطيع الاحتجاج بالقوة القاهرة.
5- من الضوابط المهمة في تطبيق القوة القاهرة أن يقوم الطرف الذي يتمسك بها بإخطار الطرف الآخر بوقوع الحادث الاستثنائي فور علمه به، مع بيان أثره على تنفيذ الالتزام.
ويهدف هذا الإخطار إلى تمكين الطرف الآخر من العلم بالظروف التي حالت دون التنفيذ واتخاذ ما يلزم من إجراءات.
لذلك فإن التأخر غير المبرر في الإخطار قد يضعف التمسك بالقوة القاهرة أو يثير الشك في جدية الادعاء بها، خاصة إذا ترتب على عدم الإخطار تفاقم الضرر أو إمكانية تفاديه.
ثالثا: الفرق بين القوة القاهرة والحوادث الطارئة
القانون يميز بين حالتين مختلفتين: القوة القاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً تمامًا.
اما الحوادث الطارئة تجعل التنفيذ مرهقا وصعبا فقط، لكنه لا
يزال ممكنًا وفي هذه الحالة قد يتدخل القاضي لتعديل الالتزام أو تخفيفه.
رابعا: أثر القوة القاهرة على العقد إذا ثبتت القوة القاهرة
وتوافرت شروطها، فإنها تؤدي إلى آثار مهمة أهمها:
•انفساخ العقد بقوة القانون إذا كانت الاستحالة كلية
•سقوط الالتزام عن المدين وانتفاء مسؤوليتة
•عدم استحقاق التعويض للدائن وذلك لأن المدين لم يخطئ في عدم التنفيذ، وإنما أصبح التنفيذ مستحيلا بسبب حادث خارج عن إرادته.
ويتضح مما سبق أن القوة القاهرة ليست مجرد حادث عادي، بل هي حادث استثنائي غير متوقع ولا يمكن دفعه ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا وعند تحققها، يسقط الالتزام وتنتهي المسؤولية ولا يلتزم المدين بالتعويض.
ولهذا يحرص القضاء الإماراتي على التدقيق في شروط القوة القاهرة قبل تطبيقها، حتى لا تستخدم كوسيلة للتخلص من الالتزامات التعاقدية دون مبرر حقيقي. وعليه، على المدين الذي يمنعه ظرف القوة القاهرة من تنفيذ إلتزامه مراجعة بند العقد بشأن القوة القاهرة وتوجيه إشعار للدائن بشأن إستحالة تنفيذ إلتزامه التعاقدي وفق نصوص العقد بما يعفيه من تنفيذ إلتزامه أو دفع تعويض للدائن.
Automated page speed optimizations for fast site performance